الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
537
تفسير روح البيان
ابن الشيخ في حواشيه قوله هو اللّه أحد ثلاثة ألفاظ كل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات السائرين إلى اللّه تعالى فالمقام الأول مقام المقربين وهم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي فلا جرم ما رأوا موجودا سوى اللّه لان الحق هو الذي لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن إذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق تعالى وكلمة هو وان كانت للإشارة المطلقة مفتقرة في تعين المراد بها إلى سبق الذكر بأحد الوجوه أو إلى أن يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون بها إلى الحق ولا يفتقرون في تلك الإشارة الا ما يميز المراد بها من غيره لان الافتقار إلى المميز انما يحصل حيث وقع الإبهام بأن يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كانت لفظة هو كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء والمقام الثاني مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول وذلك لأنهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا فحصلت الكثرة في الموجودات فلا جرم لم تكن لفظة هو كافية في الإشارة إلى الحق بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق من الخلق فهؤلاء مفتقرون إلى أن يقرن لفظة اللّه بلفظة هو فقيل لأجلهم هو اللّه لان لفظة اللّه اسم للموجود الذي يفتقر اليه ما عداه ويستغنى هو عن كل ما عداه فتتميز به الذات المرادة عما عداه والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وهم الذين يجوزون ان يكون واجب الوجود أكثر من واحد فقرن لفظة الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وابطالا لمقالهم فقيل قل هو اللّه أحد انتهى كلامه ومنه يعلم صحة ما اعتاده الصوفية من الذكر بالاسم هو وذلك لان أهل البداية منهم وهم المحجوبون تابعون لأهل النهاية منهم وهم المكاشفون فكأنهم كلهم ما شاهدوا في الوجود الا اللّه فاللّه عندهم بهويته المطلقة السارية متعين لا حاجة إلى التعيين أصلا فضمير هو راجع اليه لا إلى غيره كما أن الضمير في أنزلناه راجع إلى القرآن لتعينه وحضوره في الذهن فقول الطاعن انه ضمير ليس له مرجع متعين فكيف يكون ذكر اللّه تعالى مردود على أن الضمائر أسماء وكل الأسماء ذكر لا فرق بينها بالمظهرية والمضمرية فعلى هذا يجوز ان يدخل اللام في كلمة هو في اصطلاح الصوفية لأنها إشارة إلى الهوية ولا مناقشة في الاصطلاح ثم قوله قل امر من عين الجمع وارد على مظهر التفصيل وفي إشارة إلى سر قوله تعالى شهد اللّه انه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم فكأنه يقول انا شهدت بوحدة الهوية في مقام الجمع فاشهد أنت أيضا بتلك الوحدة في مقام الفرق ليظهر سر الأحدية واللاحدية ويحصل التطابق بينهما جمعا وتفصيلا هكذا لاح بالبال واللّه اعلم بحقيقة الحال وقرئ هو اللّه بلا قل وكذا في المعوذتين لأنه توحيد والأخريان تعوذ فيناسب ان يدعو بهما وان يؤمر بتبليغهما وقد سبق في سورة الأعلى ما يغنى عن تكراره هاهنا وقال بعضهم انما أثبت في المصحف قل والتزم في التلاوة مع أنه ليس من دأب المأمور بقل ان يتلفظ في مقام الائتمار الا بالمقول لان المأمور ليس المخاطب به فقط بل كل واحد ابتلى بما ابتلى به المأمور فاثبت ليبقى على مر الدهور منا على العباد اللَّهُ الصَّمَدُ